العيني
25
عمدة القاري
فلو بني على هيئة المساجد أو على غير هيئتها ، وأذن في الصلاة فيه لم يصر مسجداً ، وألفاظه على مراتب : إحداها قوله : وقفت كذا ، أو حبست ، أو سبلت ، أو أرضي موقوفة أو محبسة أو مسبلة . فكل لفظ من هذا صريح ، هذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور ، وفي وجه هذا كله كناية ، وفي وجه الوقفُ صريحٌ والباقي كناية . الثانية : قوله : حرمت هذه البقعة للمساكين . أو أبَّدتها أو داري محرمة ، أو مؤبَّدة ، كناية على المذهب . الثالثة : تصدقت بهذه البقعة ليس بصريح ، فإن زاد معه : صدقة محرمة أو محبسة أو موقوفة التحق بالصريح ، وقيل : لا بد من التقييد بأنه : لا يباع ولا يوهب . وقالت الحنابلة : يصح الوقف بالقول ، وفي الفعل الدال عليه روايتان ، وإن كان الوقف على آدمي معين افتقر إلى قبوله كالوصية والهبة ، وقال القاضي منهم : لا يفتقر إلى قبوله كالعتق . وفيه : أن قيم الوقف له أن يتناول من غلة الوقف بالمعروف ولا يأخذ أكثر من حاجته ، هذا إذا لم يعين الواقف له شيئاً معيناً . فإذا عينه ، له أن يأخذ ذلك قليلاً أو كثيراً . وفيه : صحة شروط الوقف . وفيه : فضيلة ظاهرة لعمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه . وفيه : مشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمور وطرق الخير . وفيه : أن خيبر فتحت عنوة ، وأن الغانمين ملكوها واقتسموها واستقرت أملاكهم على حصصهم ونفذت تصرفاتهم فيها . وفيه : فضيلة صلة الأرحام والوقف عليهم . وفيه : أن الواقف إذا أخرجه من يده إلى متولي النظر فيه يجعله في صنف أو أصناف مختلفة ، إلاَّ إذا عين الواقف الأصناف . وفيه : ما كان نظير الأرض التي حبسها عمر ، رضي الله تعالى عنه ، كالدور والعقارات يجوز وقفها ، واحتج أبو حنيفة فيما ذهب إليه بقول شريح : لا حبس عن فرائض الله تعالى ، أخرجه الطحاوي عن سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف عن عطاء ابن السائب عنه ، ورجاله ثقات ، وأخرجه البيهقي في ( سننه ) بأتم منه ، ومعناه : لا يوقف مال ولا يزوى عن ورثته ولا يمنع عن القسمة بينهم ، ويؤيد هذا ما رواه الطحاوي أيضاً من حديث عكرمة عن ابن عباس ، قال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يقول : بعدما أنزلت سورة النساء وأنزل فيها الفرائض ، نهى عن الحبس . وأخرجه البيهقي أيضاً ، وقال : وفي سنده ابن لهيعة وأخوه عيسى وهما ضعيفان . قلت : ما لابن لهيعة ؟ وقد قال ابن وهب : كان ابن لهيعة صادقاً ، وقال في موضع آخر : وحدثني الصادق البار والله ابن لهيعة ؟ وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما كان محدث مصر إلاَّ ابن لهيعة ؟ وعنه : مَن مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه ؟ ولهذا حدث عنه أحمد في ( مسنده ) بحديث كثير . وأما أخوه عيسى فإن ابن حبان ذكره في ( الثقات ) ، وقال الطحاوي : هذا شريح ، وهو قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين ، رضي الله تعالى عنهم ، قد روى عنه هذا ، ووافق أبا حنيفة في هذا عطاء بن السائب وأبو بكر بن محمد وزفر بن الهذيل . فإن قلت : ما تقول في وقف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم وفي أوقاف الصحابة بعد موت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : أما وقف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم فإنما جاز ، لأن المانع وقوعه حبساً عن فرائض الله ، ووقفه ، عليه الصلاة والسلام ، لم يقع حبساً عن فرائض الله تعالى ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنا معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة ) . وأما أوقاف الصحابة بعد موته صلى الله عليه وسلم فاحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة ، هذا هو الظاهر . فإن قلت : قال البيهقي : ولو صح هذا الخبر لكان منسوخاً . قلت : النسخ لا يثبت إلاَّ بدليل ، ولم يبين دليله في ذلك ، فمجرد الدعوى غير صحيح . والجواب عن حديث الباب : أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ) ، لا يستلزم إخراجها عن ملكه ، ولكنها تكون جارية على ما أجراها عليه من ذلك ما تركها ، ويكون له فسخ ذلك متى شاء ، ويؤيد هذا ما رواه الطحاوي . وقال : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب أن مالكاً أخبره عن زياد بن سعد عن ابن شهاب : أن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، ( قال : إني لولا ذكرت صدقتي لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم أو نحو هذا لرددتها ) ، فلما قال عمر هذا دل أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرجوع فيها ، وإنما منعه من الرجوع فيها أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أمره فيها بشيء وفارقه على الوفاء به ، فكره أن يرجع عن ذلك ، كما كره عبد الله بن عمرو أن يرجع بعد موت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم عن الصوم الذي كان فارقه عليه أنه يفعله ، وقد كان له أن لا يصوم . فإن قلت : قال ابن حزم : هذا الخبر منكر وبلية من البلايا وكذب بلا شك . قلت : قوله : هذا بلية وكذب وتهافت عظيم ، وكيف يقول هذا القول السخيف ، والحال أن رجاله علماء ثقات ، فيونس من رجال مسلم ، والبقية من رجال ( الصحيح ) على ما لا يخفى ، والله أعلم بحقيقة الحال . بسْمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ